زرعة دماغية تسمح للأشخاص المصابين بالشلل بالكتابة بأذهانهم

  • تقوم واجهة الدماغ والحاسوب القابلة للزرع بتحويل محاولات حركة الأصابع إلى نص على لوحة مفاتيح افتراضية من نوع QWERTY.
  • تمكن شخصان مصابان بشلل شديد (التصلب الجانبي الضموري وإصابة الحبل الشوكي العنقي) من الكتابة بسرعة تصل إلى 110 أحرف في الدقيقة بمعدل خطأ 1,6٪.
  • تم اختبار النظام في إطار اتحاد BrainGate ويمكن استخدامه في منازل المرضى.
  • تفتح التكنولوجيا الباب أمام تحسين التواصل، وفي المستقبل، استعادة حركات اليد المعقدة.

واجهة الدماغ والحاسوب لعلاج الشلل

إن فقدان الصوت أو القدرة على كتابة رسالة بسيطة قد يعني، بالنسبة لشخص يعاني من شلل شديدهذا الأمر يتجاوز مجرد إعاقة جسدية، فهو ينطوي على تضاؤل ​​استقلاليتهم وعلاقاتهم، بل وحتى خططهم الحياتية إلى حد كبير. في السنوات الأخيرة، ركزت تقنيات الأعصاب على هذه المشكلة، ساعيةً إلى إيجاد سبل تمكّن هؤلاء الأفراد من التواصل مجدداً دون الاعتماد على أنظمة بطيئة ومرهقة.

في هذا السياق، نجح فريق بحث أمريكي في اختبار واجهة الدماغ والحاسوب القابلة للزرع قادر على تحويل حركات الأصابع إلى نص على لوحة مفاتيح افتراضية. وقد تم اختبار الجهاز، الذي لا يزال في المرحلة التجريبية، على شخصين مصابين بشلل شبه كامل، وحقق سرعات ودقة كتابة قريبة من تلك التي يتمتع بها الشخص السليم.

طرف اصطناعي عصبي يترجم محاولات الكتابة إلى حروف

يحمل العمل توقيع علماء من معهد علم الأعصاب، مستشفى ماساتشوستس العام بريغهام، في بوسطن، ومن جامعة براونالذين يتعاونون منذ سنوات في اتحاد BrainGate، وهي مبادرة تركز على تطوير واجهات الدماغ والحاسوب للأشخاص المصابين بالشللتصف الدراسة الجديدة، التي نُشرت في المجلة العلمية Nature Neuroscience، جهازًا عصبيًا للكتابة لا يحرك مؤشرًا، ولكنه يعتمد بدلاً من ذلك على لوحة مفاتيح QWERTY التقليدية كنقطة بداية.

ولتحقيق ذلك، قام الباحثون بزرع مجسات الأقطاب الكهربائية الدقيقة في القشرة الحركيةالمنطقة الدماغية المسؤولة عن التحكم في حركات اليد والأصابع الإرادية. تكشف هذه الأقطاب الكهربائية الدقيقة النشاط الكهربائي الذي يحدث عندما يحاول الشخص ذهنياً تحريك أصابعه للضغط على مفتاح، حتى وإن كان الجسم غير قادر على تنفيذ الحركة بسبب الإصابة.

يُعرض أمام المشارك لوحة مفاتيح QWERTY القياسية مصحوبة برسم تخطيطي للأصابع. يرتبط كل حرف بمجموعة محددة من وضعيات الأصابع (على سبيل المثال، لأعلى، لأسفل، أو مثني). عندما يتخيل المستخدم هذه الحركات، تجمع الأقطاب الكهربائية الإشارة العصبية وترسلها إلى نظام حاسوبي يقوم بـ... يترجم إلى أحرف نصية.

لا تتوقف العملية عند هذا الحد: إذ يمر خرج جهاز فك التشفير عبر نموذج اللغة التنبؤيعلى غرار ميزة التصحيح التلقائي في الهواتف المحمولة، فهي تساعد على تصحيح الأخطاء وإكمال الكلمات، بحيث تكون الجملة النهائية متماسكة وصادقة قدر الإمكان مع نية المريض.

زرعة دماغية للكتابة بالعقل

مريضان مصابان بشلل شديد كحالة اختبار

أُجريت المحاكمة مع شخصين شلل متقدم جداًمشارك واحد مصاب بالتصلب الجانبي الضموري المتقدم (ALS) وآخر مصاب بـ إصابة الحبل الشوكي العنقي مما تسبب في إصابته بالشلل الرباعي. كان كلاهما جزءًا من البرنامج السريري "برين جيت" وقد وافقا على اختبار جهاز الكتابة العصبي الاصطناعي الجديد.

بعد جراحة زرع الأقطاب الكهربائية الدقيقة، خضع المتطوعون لتدريب قصير على النظام. استغرق الأمر حوالي 30 عبارة معايرة حتى يتمكن البرنامج من تعديل خوارزميات فك التشفير الخاصة به لتتوافق مع الإشارات العصبية لكل شخص. ومن ثم، طُلب منهم كتابة رسائل باستخدام محاولاتهم لتحريك أصابعهم فقط على لوحة المفاتيح الافتراضية المعروضة على الشاشة.

كانت النتائج مذهلة من حيث السرعة والدقة. وقد وصل أحد المشاركين إلى سرعة قصوى بلغت 110 حرفًا في الدقيقةيُترجم هذا إلى حوالي 22 كلمة في الدقيقة، مع نسبة خطأ في الكلمات تبلغ 1,6%. وهذا الهامش من الخطأ مماثل لما يحدث عند الكتابة اليدوية على لوحة مفاتيح فعلية أو على شاشة هاتف ذكي.

المتطوع الثاني، الذي كان يعاني من التصلب الجانبي الضموري المتقدم ويحتاج إلى جهاز تنفس صناعي، نجح أيضاً إنتاج جمل مفهومة من خلال النظام، وإن كان بوتيرة أبطأ نوعًا ما. وفي حالته، تبرز أهمية هذا التقدم بشكل خاص، إذ كان قد فقد القدرة على الكلام تمامًا ولم يكن يستطيع استخدام التقنيات المساعدة التقليدية إلا ببذل جهد كبير.

ومن أهم جوانب التجربة أن كلا المريضين كانا قادرين على استخدم الجهاز في منزلكولا يقتصر الأمر على المستشفيات أو المختبرات فحسب، بل يشير هذا إلى أنه مع مزيد من التطوير، يمكن دمج هذه التقنية في أنظمة الدعم اليومية، بحيث يتمكن المصابون بالشلل الشديد من التواصل من منازلهم مع أفراد أسرهم أو مقدمي الرعاية أو المتخصصين في الرعاية الصحية.

لماذا تختلف هذه الواجهة عن الأنظمة الحالية؟

اليوم، يعتمد العديد من الأشخاص المصابين بالشلل والذين يحتفظون ببعض القدرة على التحكم في العين على أجهزة تتبع حركة العينتتيح هذه الأنظمة للمستخدمين اختيار الأحرف أو الرموز بتحريك أعينهم على الشاشة، ولكن، كما وصفها المرضى أنفسهم، فهي بطيئة، ومرهقة الاستخدام، وعرضة للأخطاء. وفي كثير من الحالات، يتخلى المستخدمون عنها بسبب الإحباط الذي تسببه.

تعتمد الأطراف الاصطناعية العصبية من BrainGate على نهج مختلف: فبدلاً من تتبع النظرة أو تحريك المؤشر بالتفكير، فإنها تركز على فك شفرة محاولات حركة الأصابع على لوحة مفاتيح مألوفة لدى معظم الأشخاص الملمين بالقراءة والكتابة. تتميز هذه الاستراتيجية بميزتين واضحتين: أولاً، تسمح لنا بالاستفادة من الذاكرة الحركية التي طورها العديد من المرضى على مر سنوات من استخدام لوحات المفاتيح الفعلية؛ ثانياً، تسهل تحقيق سرعات كتابة أعلى مقارنة بأنظمة التواصل المعزز الأخرى.

علاوة على ذلك، يُسهم استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، سواءً لفك تشفير الإشارة العصبية أو لنموذج اللغة، في تحسين الدقة دون الحاجة إلى بذل جهد معرفي كبير من المستخدم. فلا يتعين على الشخص "التفكير في كل حرف على حدة"، بل عليه أن يتخيل تحريك أصابعه كما لو كان يكتب على لوحة المفاتيح.

ووفقًا لفريق البحث، فإن هذا المزيج من أجهزة الاستشعار القابلة للزرع، ومعالجة الإشارات المتقدمة، ونماذج اللغة يُحدث تحولًا في واجهات الدماغ والحاسوب في بديل أكثر صلابة للحلول الحالية، على الأقل بالنسبة لمجموعة محددة من المرضى الذين يعانون من شلل شديد والذين لا يجدون استجابة كافية في الأنظمة التقليدية.

دور اتحاد BrainGate والتوقعات المستقبلية

يُعد تطوير هذا الجهاز العصبي الاصطناعي جزءًا من عمل الاتحاد برينجيتتضم الرابطة الدولية لعلم الأعصاب (INCAA)، التي تأسست عام 2004، أطباء أعصاب، وعلماء أعصاب، ومهندسين، وعلماء حاسوب، وجراحي أعصاب، ورياضيين، وغيرهم من المتخصصين من مختلف المؤسسات الأكاديمية. هدفهم المشترك هو ابتكار تقنيات تُمكّن... استعادة الوظائف المفقودة لدى الأشخاص المصابين بأمراض عصبية، أو إصابات في الحبل الشوكي، أو بتر الأطراف.

على مدى العقدين الماضيين، أثبتت شركة BrainGate من خلال تجارب مضبوطة أن واجهات الدماغ والحاسوب يمكن استخدامها لـ التحكم في المؤشرات أو الأذرع الروبوتية أو الأجهزة الخارجية يعتمد هذا البحث على نشاط الدماغ. ويركز هذا التطور المنشور حديثًا بشكل خاص على التواصل الكتابي، وهو مجال رئيسي لأولئك الذين فقدوا القدرة على الكلام والقدرة على استخدام لوحة المفاتيح.

يؤكد القائمون على التجربة أن هذه التقنية لا تزال في مرحلة البحث والتطوير. ولا تزال هناك أسئلة، مثل ما يلي، بحاجة إلى إجابة: متانة الغرسات، استقرار الإشارات بمرور الوقت، والمخاطر المحتملة المرتبطة بالجراحة، وسهولة استخدام الأنظمة المحلية أو ملاءمتها لتمويل الأنظمة الصحية، بما في ذلك الأنظمة الأوروبية.

حتى مع هذه الاحتياطات، يعتقد الفريق أن الجهاز يفتح الطريق أمام الصناعة للتطور على المدى المتوسط. النسخ التجارية من الأطراف الاصطناعية العصبية تم تكييفها لتناسب المرضى ذوي أنماط الشلل المختلفة. ويؤكد التحالف أن التعاون بين المراكز الأكاديمية والشركات سيكون أساسياً لترجمة هذه النتائج التجريبية إلى حلول سريرية حقيقية.

أهمية ذلك بالنسبة للمرضى في أوروبا والتحديات القادمة

على الرغم من أن الدراسة أجريت في الولايات المتحدة، إلا أن تأثيرها ذو صلة مباشرة بالأشخاص الذين يعانون من التصلب الجانبي الضموري، أو إصابات الحبل الشوكي، أو السكتة الدماغية في أوروبا، بما في ذلك إسبانيا، حيث يؤدي شيخوخة السكان وزيادة الأمراض التنكسية العصبية إلى زيادة الطلب على تقنيات المساعدة في التواصل عامًا بعد عام.

في أنظمة الرعاية الصحية مثل النظام الإسباني، الذي يتميز بوجود عنصر عام قوي، عادةً ما يتم تقييم هذه الأنواع من التطورات ليس فقط من حيث فعاليتها السريرية، ولكن أيضًا من حيث فعالية التكلفة وقدرتها على التكامل في شبكات إعادة التأهيل العصبي والرعاية المنزلية. إن إمكانية تشغيل واجهات الدماغ والحاسوب في البيئات المنزلية تشجع على اعتمادها في المستقبل، شريطة تبسيط المعدات وخفض تكلفة المكونات.

وبالنظر إلى السنوات القادمة، يقترح الباحثون عدة مجالات للتحسين. أحدها يتضمن إدخال لوحات مفاتيح مخصصة أو أنظمة اختزال مما يسمح بالكتابة بشكل أسرع؛ وآخر، الاستفادة من نفس التقنية لمحاولة استعادة حركات الوصول والإمساك لدى الأشخاص المصابين بشلل الأطراف العلوية، باستخدام أنماط النشاط العصبي المحددة بالفعل.

وهناك أيضًا حديث عن دمج هذه الواجهات مع أدوات دعم أخرى، مثل قارئات الشاشة، والمساعدين الصوتيين، أو أجهزة التشغيل الآلي للمنزل، بهدف بناء بيئات معيشية أكثر سهولة لأولئك الذين يعتمدون على الكرسي المتحرك أو يحتاجون إلى رعاية مستمرة. كل هذا يشترك في هدف واحد: إعادة ربط دماغ الشخص بالعالم المحيط به عندما يتوقف جسده عن الاستجابة.

تُظهر هذه التجربة السريرية الجديدة مجتمعةً أن واجهة الدماغ والحاسوب القابلة للزرع يمكن أن يمنح الأشخاص المصابين بالشلل الشديد شكلاً من أشكال التواصل الكتابي السريع والدقيق والمستقر بما يكفي لاستخدامه في الحياة اليومية، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو حلول لا تطيل العمر فحسب، بل تسمح أيضًا للأشخاص بالعيش بمزيد من الاستقلالية والقدرة على التواصل مع الآخرين.